شادت دراسة لمركز البحرين للدراسات والإعلام بالضربة الجوية المصرية لمعاقل تنظيم "داعش" في مدينة درنة الليبية مشيرة إلى أنها أعادت الخلافات المصرية القطرية للواجهة مرة أخرى، في خلاف قد يكون عديم الأثر على العلاقات العربية- العربية بشكل عام، إذ أن جميع أعضاء جامعة الدول العربية أبدوا تفهمهم للضربة المصرية منددين بالعملية الوحشية التي راح ضحيتها 21 مصريا ذبحا في ليبيا على يد "داعش" وهو الأمر الذي لن يؤثر على معارضة قطر أو عدم معارضتها للضربة الجوية لكنه في الوقت نفسه يكشف عن غياب حقيقة الحرب التي تشنها مصر على  الإرهاب عن بعض الدول أو الكيانات في المنطقة العربية.
الخلاف القطري العربي ليس الأول من نوعه، فقطر كعادتها تبدي تعنتا في المواقف والأزمات المختلفة، وتتباهي كثيرا بمخالفتها للإجماع العربي على القضايا والرؤى المختلفة، كما أن الخلافات بين الدوحة والبلاد العربية شهدت فصولا عديدة، ومنها الخلاف مع البحرين بعد ادعاء قطر ملكية بعض جذر البحرين وهي الواقعة التي أثبتت المحكمة الجنائية الدولية كذبها بعد أن قدمت البحرين في أبريل (نيسان) 1998 طعنا على اثنتين وثمانين وثيقة قدمتها قطر للمحكمة، على أساس أنها وجدت مزورة من حيث الأختام والأحبار ونوعية الأوراق المستخدمة والتي قدمتها قطر لتدعيم قضيتها ضد البحرين، حيث أيدت المحكمة أخيرا رؤية البحرين، وفي فبراير (شباط) 1999 سجلت المحكمة رسميا تخلي قطر عن الوثائق التي ثبت أنها مزورة.
أيضا كان الخلاف المصري القطري هو الأشهر في الأعوام القليلة الماضية، لاسيما بعد ثورة 30 يونيو التي تعارضها الدوحة حتى هذه اللحظة رغم تدخل العاهل السعودي الراحل جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز لحله وأخذ تعهدات على قطر بعدم التدخل في شؤون مصر الداخلية، وهو الأمر الذي سرعان ما تنصلت منه الدوحة لتعيد الخلاف للواجهة من جديد.
ولعل الخلاف الأخير ضم معه بجانب مصر كل من السعودية والإمارات ما يعني أن الخلافات العربية مع قطر قديمة ولها جذور لكنها ظلت خلافات داخلية لا تؤثر على الجسد العربي طالما بقي في المنطقة قادة عظام نجحوا بحكمتهم في احتواء الخلافات أو على الأقل إخفائها من أمثال العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، أو جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة أو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة لكن الأزمة اليوم أن المنطقة العربية تشهد أكبر مؤامرة على أمنها واستقرارها الأمر الذي يفرض توجها جديدا على جميع دول المنطقة لمواجهة هذا الخطر المحدق.
اليوم تقف المنطقة في مشهد لا تحسد عليه فداعش تسيطر على العراق وسوريا وليبيا والحوثيون يسيطرون على اليمن التي تشهد تراجعا في كل شيء منذ اندلاع الثورة في 2011، والبحرين تواجه وحدها إيران التي تحرك الجماعات الشيعية الموالية لها من أمثال الوفاق وغيرها ومصر تخوض حربها ضد الإرهاب داخليا وخارجيا أي أن المنطقة بالكامل تتعرض لمؤامرة من نوع جديد تقف خلفها الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وللأسف فضلت قطر الوقوف معهما دون باقي الدول العربية، وهو الأمر الذي يصعب من الخلاف هذه المرة فالمسألة تتعلق بالأمن القومي العربي، وهو ما لا تحاول الدوحة استيعابه بعد فالموضوع أخطر بكثير من دعم الإخوان المسلمين في مصر أو إظهار العداء لقوات حفتر  في ليبيا بل إن الموضوع مرتبط بأمن الخليج هذه المرة بسبب تعدد الجبهات التي يمكن التسلل منها إلى قلب المنطقة الخليجية، ففي الشمال هناك داعش في العراق وسوريا ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الشمال الشرقي نجد إيران تتحين الفرصة في البحرين واليمن، ومن الجنوب تواجه السعودية خطر الحوثيين بينما تواجه مصر  الخطر من سيناء ومن ليبيا .
ولعل قراءة تجربة محاربة الإرهاب في ربع القرن الماضي تشير إلى ضرورة التحرك بشكل جماعي وليس انفرادي، من خلال محاصرة خلايا الإرهاب في كل مكان ومنعها من إيجاد أي ملاذ آمن لها، وذلك يعني شمولية الحرب واعتبار التصدي للإرهاب مواجهة وطنية كبرى في بعدها المحلي، ومواجهة أممية في البعد العالمي والإنساني
ولذلك فإن شرط هزيمة الإرهاب هو تجاوز كل الخلافات بين القيادات العربية، واستعادة روح التضامن العربي، واعتبار المواجهة معركة مصيرية تصل إلى مستوى "نكون أو لا نكون"، وتجاوز الانتقائية في الحرب على الإرهاب، وتشكيل جبهة عربية متينة لمقاومته، بالإضافة إلى عنصر المواجهة الفكرية لهذه المجموعات، وهي جميعها أمور لا يكن أن تحدث في هذا المناخ الداعي للفرقة والتشرذم وانتهاز سقطات الآخر ، وإشعال معركة إعلامية وهمية بين دولتين عربيتين، وهي أمور لا يجب التقليل من أثرها على أمن المنطقة العربية بأكملها.
في المقابل يجب على العقل العربي الجمعي أن يعي بأن هذه الحرب هي حرب العرب وحدهم وليست حرب الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي، فلم يعد الظرف مناسبا لمفهوم الحرب بالوكالة وقد أدت تجربة "الوكالة" في العراق إلى تمزيقه، وليس هذا فحسب بل جعل منه بيئة خصبة لرعاية الإرهاب وتصديره إلى جميع دول المنطقة، فحرب الجيش المصري في ليبيا خطوة إن تأخرت قليلا فربما تدخلت الولايات المتحدة أو أوروبا لتصنع من ليبيا نموذج العراق مرة أخرى.