الدمار واضح للعيان من الجو. في باما ثاني أكبر مدينة في ولاية بورنو شمال شرق نيجيريا، باتت سطوح الصفيح المثقوبة تستند على الأنقاض المتفحمة لزوايا الجدران المسودة.
أما على الأرض، في الشوارع المغبرة التي شهدت عمليات الجيش النيجيري في منتصف مارس لطرد بوكو حرام من المدينة، فتبدو المشاهد المقرونة بالروائح النتنة، أسوأ بكثير. فعشرات الجثث تتناثر على الأرصفة في كل أنحاء المدينة.
فقد عثر الجنود النيجيريون على جثة متحللة لرجل في قناة للصرف الصحي، وسط الأقذار والبراز. ويعمدون باشمئزاز وقرف إلى سد أنوفهم. وعلى مقربة من هذه الجثة عثروا على أشلاء بشرية أخرى.
وقال المواطن عبد الملك ياكوبا "ترى الجثث في كل مكان". وأضاف "عندما تمشي في المدينة، ترى الجثث، حيث قُتل عدد كبير من الناس".
ولم يجد الجنود الذين اعتادوا على خوض المعارك تفسيرا لهذه المجزرة الكبيرة.
وقال اللفتنانت كولونيل أبو بكر هارونا "لا أصدق أن بشرا يفعلون هذا ببشر آخرين". وأضاف "انظر إلى الجسر، فهو مغطى بالجثث. في المدينة نرى جثثا في كل أنحائها. وحيال هذا الأمر لا نستطيع أن نقول إلا لماذا؟ وكيف؟".
وفي ظل الخلافة التي أعلنتها بوكو حرام بعدما استولت على المدينة في سبتمبر، "باتت باما جحيما"، كما قالت في منتصف مارس جوماي مؤمني التي فرت مع أبنائها الأربعة إلى مايدوغوري، عاصمة الولاية، على بعد 70 كلم، بينما كان الجيش يقترب.
وقال عدد كبير من الأشخاص إن النساء اللواتي أرغمن على الزواج من مقاتلين إسلاميين، عمد "أزواجهن" إلى قتلهن قبيل المعركة في المدينة، للحفاظ على "طهارتهن".
لذلك ترى في الشوارع جثث عشرات النساء. ولم تشأ بوكو حرام أن تترك لهن أي فرصة لاحتمال الزواج من رجال لا يؤمنون بعقيدتها المتطرفة، كما قال السكان.
ويقيم اليوم في مخيم عشوائي في ضواحي مايدوغوري، القسم الأكبر من حوالي 7500 شخص هربوا من باما.
لكن جميع السكان لم يغادروا باما. فالذين بقوا يفترشون الأرصفة، على الأرض المحروقة، مع أغراضهم، كسجادة الصلاة والأكياس وصفائح البنزين والماء. واحتمى آخرون من الشمس اللاهبة في ظل سيارة متفحمة وينظرون إلى الدبابات المارة.
وبالقرب من دبابة متوقفة على الرمل، يجلس جنود بإعياء على كراسي من البلاستيك.
وقال اللفتنانت كولونيل أبو بكر هارونا "كانت معركة رهيبة". وأضاف "بذلنا كل ما في وسعنا لنتأكد من أننا طردنا إرهابيي بوكو حرام من باما". وأضاف "وبفضل الله (...) سنحبط جهودهم للعودة إلى باما".
وما زال الأمن الهاجس الرئيسي للجنود والناس. فبوكو حرام هربت في الواقع، لكن لا يستطيع أحد أن يقول إلى أين.
وعمد الجنود إلى تكبيل ثلاثة رجال ألقي القبض عليهم لدى محاولتهم التسلل إلى المدينة، وعصب عيونهم، فيما كانوا يفتشون بحذر أنقاض قصر أمير باما الذي كان يستخدمه الإسلاميون مقر قيادة.
رغم انتشار الجنود النيجيريين الذين يتلقون دعما من جيوش تشاد والكاميرون والنيجر المجاورة، والمستنفرة على الحدود وتتدخل (تشاد والنيجر) في الاراضي النيجيرية، حيث استعادت أخيرا مناطق من المتمردين.
وأشاد المتحدث باسم الجيش النيجيري الجنرال كريس اولوكولاد، بـ "يقظة الجنود في باما". وقال "يسيطرون على جميع أنحاء المدينة. يسيرون دوريات منتظمة، دوريات قوية، في المدينة وضواحيها".
واضاف "هذا استباق للتهديدات التي يمكن ان تحصل. لن نفسح لهم في المجال، ويجب الا تسقط هذه المدينة مجددا" في أيدي عناصر بوكو حرام.
والأمن هو كل شيء في نظر اشخاص يريدون مثل عبد الملك ياكوبا، استئناف حياتهم الطبيعية وعودة المهجرين من مايدوغوري. وقال "نحتاج الى مساعدة من الحكومة لإعادة إعمار المدينة حتى يتمكن هؤلاء الأشخاص من العودة".