إن المدرسة كفضاء اجتماعي ـ تربوي لا تزال تمثل عين الرقيب الساهر على اصناف من القيم ونماذج من الادوار، خاصة عبر المنتخب من النصوص الادبية التي تستهدف ادراج المتعلم المبتدئ في اللغة والدخول في الثقافة المكتوبة، وهي من هذا المنطلق تسهم في اعادة انتاج نماذج من التمثلات والتصورات وانماطا من السلوك أي من الممارسات الاجتماعية والثقافية. ثم إنّ كتب هي نافذة يطل منها التلميذ على ميادين الثقافات المختلفة ويستمد منها فكره وخبرته وتشبع تفكيره

فالخطاب المدرسي، يصور المجتمع من ناحية المكتوب المنتخب ـ من منطلق رؤية مثالية من ناحية و تقليدية من ناحية اخرى ، وهو غالبا خطاب يقول شيئا و يأبى أن يقول ما هو في صلب اهتمامات الطفولة ، طفولة تختلف ظروف تملكها لوسائل التثقيف ، و إن كان المحيط المدرسي يشترك مع وسائل الاتصال الجماهيري ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة في التخفيف من حدة الفوارق الناجمة عن انتساب الاطفال الى فئات اجتماعية  مختلفة أي في توحيد تمثلات الاجيال، ذلك ان كلا من المدرسة , وسائل الاتصال الجماهيري ووسائل التواصل الاجتماعي تساهم في خلق عالم مواز للواقع المعيش على أن عملية التوحيد هذه تبقى نسبية.


يعتبر المنتوج التعليمي الموجه للطفل من أهم أدوات التعليم في عصر لم تكن للعلم فيه حدود معينة وآفاق محددة، عصر اتسم بتفجير المعرفة والمعلومات وانتشار التعليم إذ يعتبر جزء هام من التراث الثقافي للمجتمع، فهو بمثابة خزانة أو أرشيف للمضامين والانماط الثقافية والاجتماعية التقليدية، حيث يحمل بالإضافة الى المعلومات والمعارف وتمشي النشاط التعليمي، قيما تربوية وخلقية وانماطا سلوكية مرغوبة ومواقف من شأنها تكوني شخصية المتعلم ونحتها طبق نمط ما.

رغم أن الكتاب المدرسي لم يعد يحظ بالمنزلة التي حظي بها قديما إلا أنه لا يزال الى يومنا هذا أداة رئيسية في عملية التدريس، حيث يعتمده المعلم في تخطيط دروسه وابلاغ معلوماته مع الاشارة الى أن مضمونه يخضع للبرامج الرسمية، وهي بدورها وثيقة الصلة بالسياسة التربوية.

إن ما يؤلف أو يُعدّ من الكتب لتلاميذ المرحلة الابتدائية يختلف في نظر علماء النفس والبيداغوجيا، لغة واسلوبا وتنظيما، عمّا يؤلف لغيرهم من التلاميذ في المراحل الدراسية العليا. إن هذه الفئة من التلاميذ لا تستهويها أي نوع من الكتب، ما لم تكن ملائمة لمستوياتها الثقافية وقدراتها العقلية، وممثلة لواقعها الثقافي والاجتماعي، ومن هنا يلاحظ الاخصائيون في علوم التربية أن على مؤلفي الكتب المدرسية أن يوجهوا عناية خاصة للمفردات اللغوية وقوالب التعبير، والمصطلحات المستخدمة فيها بحيث تعكس هذه الكتب ما توصلت اليه العلوم التربوية والنفسية من نظريات وتجارب فيما يختص بعمليتي التعلم والتعليم.  

أمام ثورة عالم التعليم الإلكتروني وبعد انتشار الأجهزة اللوحية خلال العامين الماضيين، فقد أصبح  الكتاب المدرسي لا يؤدي سوى جزء ا من وظائفه وخدماته التعليمية، وهذا ما يبرر اتجاه الدول المتقدمة الى تغيير نظرتها إزاء هذا الوسيط،, فوضعت العديد من منجزات التقدم العلمي والتقني في خدمة التربية والتعليم، خاصة بعد دخول ثورة عالم التعليم الإلكتروني و انتشار الأجهزة اللوحية خلال الاعوام الماضية  ،أما في البلدان العربية فان الكتاب المدرسي يمثل محور العملية التعليمية ومايزال يمثل في المدارس العربية دورا رئيسيا. كما يرى الدكتور علي الكعبي أن التحول إلى استخدام أجهزة الحاسوب اللوحية في العملية الدراسية يعد أمراً ضرورياً في حال جرى تقنينه والتعامل معه بشكل مدروس، ولكن في المقابل فإن الطالب بحاجة إلى أن يتلمس الكتاب المدرسي، وعليه أن يستنشق رائحة الورق التي تقوي الصلة بينه وبين كتابه.


الاأن مفعول الخطاب المدرسي المثالي التقليدي قد تعظم خطورته حين تُنتهج قراءة تعتبر النص فضاءا مسيجا، يتضمن حقائق أولية، تقدّسها بيداغوجية التفسير الأحدي، بيداغوجية تنطلق من مبدأ التقبل الصامت ومفهوم الأدب المؤدب في إطار رؤية أو علاقة فوقية.

إن انتخاب النصوص الادبية التي تُعدّ المادة الاساسية لتعليم وممارسة القراءة، فالمطالعة والدخول المتدرج في الثقافة تنطلق من أرضية نظرية تفصل، تقيم حدودا بين العلمي والادبي، وهي بالتالي تغرس في النشيء المتعلم عقلية التجزئة المصطنعة بين المجالات المعرفية. وقد تعظم انعكاساتها خلال عملية التكوين في كل مراحلها الابتدائية والثانوية على مستوى المفاهيم والتمثلات، وبالتالي مستوى الممارسات والسلوك الاجتماعي.

وامتدادا لما سبق، يُطرح السؤال التالي:

أي مضمون ثقافي، أي طفل = أي مجتمع؟

إن المنتوج الثقافي وسيط خطير، ثم إن الطفولة العربية باختلاف المستوى الثقافي لأسرها تتعايش مع أصناف من النصوص، بعضها يخضع لبرمجة وبعضها تجره وسائل الاتصال الجماهيري ووسائل التواصل الاجتماعي، وبعضها ينبع من محيط علاقات الاطفال بعضهم ببعض.

كيف يتعايشون، كيف يتفاعلون، أي الانماط الثقافية والسلوكية يختزنون أو يمارسون؟ تساؤلات تفرض اجوبة، قد تُدرج في إطار دراسة آجلة.