انا عجل سمين عشت علي ارض فلسطين وكنت ارعي في ربوعها الطاهرة ونشاهد انا وزملائي من خراف وعجول وبقر ما يجري فيها من صراع بين الحق والباطل .. الحق في جانب ابراهيم الخليل الحنيف والباطل في صف هؤلاء من يعبدون الاصنام . ولقد سمعنا في قوم لوط، ابن اخ ابراهيم عليه السلام كان بعض اخوتنا في المرعي يحكون عنهم حكايات مخزية تدل علي انهم فقدوا عقولهم واصبحوا اقل فهما من الحيوانات، واسوأ منها خلقاً وكنا نشعر بالاسف عليهم وننتظر لهم مصيراً مؤلماً اما اصحاب ابراهيم عليه السلام فقد كانوا علي خلق كريم يعطفون علينا ويعاملوننا برفق لذلك احببناهم وكان العجل منا يفرح اذا هو اصبح ملكاً لواحد منهم .

وكنت انا محظوظاً فقد عشت ضمن القطيع الذي يملكه ابراهيم عليه السلام وكان هذا القطيع يزيد يوماً بعد يوم، علي الرغم من انه كان دائماً يأخذ منا لضيوفه الكثيرين وكانوا يترددون عليه باستمرار، وكان يكرمهم ويستقبلهم في بهجة وفرح، يقدم لهم افضل ما في بيته واسمن ما في المواشي حتي انه كان يخرج من داره ليبحث عنهم ويفتش عن الغرباء والفقراء يطعمهم ويكسوهم ويحدثهم فب حب ويخرجون من داره وهم يشكرونه ويثنون عليه ويحمدون له هذا الكرم .

وحدث في مرة ان مضي اسبوعان بدون ان ياتي ضيف جديد ليزور ابراهيم عليه السلام، ولم يتعود ذلك وقد احسسنا به قلقاً لهذا، يطوف الوادي ويصعد الجبال ويقف عند مفارق الطرق بحثاً عن ضيف، لكن يبدو ان القوافل كانت متوقفة في هذه الفترة لذلك اصبح عدد الذين يمرون بنا قليلاً وفجأة اقبلت مجموعة من الضيوف عليهم بهاء وجمال ويشع منهم نور وكان استقبال ابراهيم عليه السلام لهم حافلاً، رحب بهم ترحيباً كبيراً واستدعيت انا من المرعي فقد كنت اسمن العجول وافضلها وكنت أليق بهذه المناسبة الرائعة التي لم اكن ولم يكن ابراهيم عليه اسلام ينتظرها او يتوقعها .

والحق انها كانت فرصة رائعة فذة لي حتي اتوسط المائدة في هذا اليوم بعد ان اصبحت مشوياً علي الحجر الساخن وسال مني الدهن وانطلقت رائحتي شهية تثير اللعاب، جاء الضيوف وقالوا سلاماً ورحب بهم ابراهيم عليه السلام ودعاهم الي المائدة حيث انا عجل حنيذ كما ورد عني بعد ذلك في آيات الله وهي تحكي قصتي ، ورأي ابراهيم عليه السلام ان ضيوفه لا يمدون ايديهم إلي ولا يأكلون من لحمي فنظر اليهم كانما يريد ان يسألهم عن سر امتناعهم عن الاكل، فلم يتكلم احد منهم لذلك شعر عليه السلام بالخوف علي الرغم من انه في بيته وبين اهله، اذ كان رفض الطعام علي ايامنا هذه ينذر بالشر .

قال لهم ابراهيم : الا تأكلون، قالوا : لا نأكل طعاماً إلا بثمن ، قال : إن له ثمناً ، سألوه : ما ثمنه ؟ قال ابراهيم : ثمنه ان تقولوا عند بدء الطعام بسم الله وتقولوا عندما تشبعون الحمد لله، نظر واحد من الضيوف الي زملائه وقال : ان ابراهيم يستحق فعلاً ان يكون خليل الله ، واقبل الضيوف علي صاحب البيت يدفعون عنه الخوف ويطمئنونه وقال احدهم : نحن لا نستطيع ان نأكل لأننا لسنا بشراً واضاف الثاني : نحن ملائكة بعثنا الله اليك والي قوم لوط ابن اخيك، قال الثالث : ونحمل لك فرحة وبشري، كما نحمل لقوم ابن اخيك تحذيراً ونذيراً .

وكانت السيدة سارة زوجة ابراهيم عليه السلام قد وقفت من خلف ستار ترقب زوجها وضيوفه فقد يكونون بحاجة الي شئ، وكانت في ذلك الحين قد اصبحت عجوزاً تجاوزت المائة عام من عمرها، وكانت تشعر بالاسف لانها خلال هذه السنين الطويلة لم تلد طفلاً وليس لها ابن ترعاه وكان يحز في نفسها كثيراً ان زوجها ابراهيم عليه السلام رزق من زوجته الثانية هاجر المصرية ابناً وهو اسماعيل عليه السلام، وقد عرفنا كيف ان السيدة سارة طلبت من زوجها ان يبعد هاجر وابنها عن عينيها بل ان يبعدهما عن فلسطين،

كلها وامره الله سبحانه وتعالي بالاستجابة الي طلبها فحمل هاجر واسماعيل الي واد غير ذي زرع في جزيرة العرب، وتركهما هناك في رعاية الله الذي فجر لهما بئر زمزم وبذلك دبت الحياة حيث هما وقامت مكة المكرمة، حيث بنى ابراهيم واسماعيل عليهما السلام بيت الله الحرام، وكنت اقول ان السيدة سارة وقفت خلف ستار تنتظر مطالب زوجها وضيوفه وقد سعدت بهم كما سعد بهم ابراهيم عليه السلام ولكنها شعرت بالقلق الشديد ايضاً وهي تري ايديهم لا تمتد الي الطعام، وبذأت تستمع الي حديثهم وهي في لهفة الي معرفة سبب امتناعهم عن الاكل وشعرت بفرحة غامرة وهي تسمع ان ضيوفه من الملائكة الابرار الاطهار، واحست بدقات قلبها تسرع وانتظرت في لهفة تلك الفرحة والبشري التي جاءوا بها الي ابراهيم عليه السلام .

قال له واحد من الملائكة : اننا نبشرك وزوجتك سارة باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب، سمع ابراهيم عليه السلام ذلك ولم ينطق بكلمة، اما سارة فقد استقيلت البشري بصبحة تعجب، وقالت : أألد وانا سيدة عجوز عقيم وزوجي ايضاً قد بلغ من الشيخوخة ما بلع، قالت الملائكة : ان الله علي كل شئ قدير وانه يعوضها عن صبرها طيلة هذا العمر المديد ويهب لها ابناً وهو اسحاق عليه السلام، ولم يغادر الضيوف دار ابراهيم عليه السلام قبل أن يسألهم عما ينتظر قوم لوط وكان لوط منذ وقت بعيد قد جاء يستأذن من ابراهيم ان يترك الحياة في بلده ويرحل الي مكان آخر وقد وافق ابراهيم عليه السلام علي ذلك ، علي امل منه ان ابن اخيه سيحاول ان يهدي القوم في هذه البلدة الجديدة، وبذلك يعم نور الايمان .

فذهب لوط الي مدينة سدرم وحاول من جانبه ان ينصحهم ويرشدهم الي الخير غير انه لم يستجيبوا له واستمروا في تكذيبهم ولم يهتموا بالنذير والتحذير وسخروا من لوط بل جعلوا زوجته تنقل اليهم اخباره وتحدوه ان يظهر الله ما عنده من عقاب لهم ، فقال لهم : ان الله يمهل ولا يهمل .

وقد شعر ابراهيم عليه السلام بالقلق علي ابن اخيه لوط وهو يسمع ان الملائكة يحملون الي قومه عقاباً شديداً وسأل ابراهيم ضيوفه اذا كان هناك بين قوم لوط خمسون مؤمنون فهل تهلكون المدينة ، قالوا : لا ، قال : فأربعون ؟ قالوا : لا ، قال : فثلاثون ؟ قالوا لا ، وظل ينززل بالعدد حتي بلغ خمسة قالوا : لا ، فسألهم لو كان فيها مؤمن واحد فقط يؤمن بالله فهل تهلكونها ؟ قالوا : لا نحن نعلم من فيها من المؤمنين ولسوف ننجيهم، وصل الضيوف الي المدينة واستقبلهم في بيته بعد ان ارشدتهم اليه ابنته وكانت تحمل الماء الي اهلها ودخل الضيوف الي لوط عليه السلام وطلبوا منه ان يخرج ليلاً هو وابنتاه وقد فعلوا ذلك وما ان طلعت الشمس عليهم حتي جاءت الملائكة تحمل المدينة عالياً حتي عنان السماء ثم تقلبها وتخسف بها الارض وبدأت السماء تمطر بالحجارة ومكتوب علي كل حجر اسم صاحبة الذي سوف يصيبه ليقتله وهكذا تم تدمير المدينة بالكامل، نتيجة لاعمال اصحابها وتصرفاتهم السيئة، وكانت بينهم زوجة لوط نفسها جزاء ما كانت تفعله حين كانت تنقل لأهل المدينة ما يجري في بيتها، وكما حق علي هؤلاء العذاب وانتقم منهم الله سبحانه وتعالي جزاء ما قدموا من سيئات، حق لنبي الله ابراهيم عليه السلام ان يفرح هو وزوجته سارة بتحقيق البشرى التي حملتها اليهم الملائكة فقد انجبت سارة ابنها اسحاق عليه السلام .