ماذا يعني أن تكرر قناة الجزيرة القطرية لقطات رفع العلم التركي في عفرين السورية، حوالي 12 مرة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، وباحتفاء تناقلته بقية المنابر الإعلامية الممولة من الدوحة وكأنه انتصار “وطني” لقطر.

إنها في نظر الخبراء لحظة فارقة من الارتماء القطري في أحضان تركيا، بشكل يعكس لماذا بات يحلو للأتراك في برامجهم الإعلامية وتعليقاتهم بالسوشال ميديا، التلميح إلى شعورهم بأن قطر “جزء من تركيا الجديدة.”

 التفسير السيكولوجي

وما بين الأوصاف المختلفة لهذا العهد الجديد، كانت هناك مساحة من التحليلات السياسية الرصينة التي استذكرت الخط البياني للعلاقات بين تركيا وقطر منذ ما سمي بـ”الربيع العربي”، مرورًا بالاتفاق الاستراتيجي بينهما عام 2014، وانتهاء بعفرين التي شكلّت بالنسبة للطرفين ذروة علاقة سيكولوجية تستعيد الكثير من “اللاوعي” الذي يستحضر نزعات “التوسع العثماني”، حسب ما جرى تسجيله.

أكثر من 13 قمة و 42 اتفاقية بين تركيا وقطر خلال 36 شهرًا، فيما كانت الدوحة أول عاصمة عربية يزورها أردوغان في سبتمبر 2014 بعد تسلمه الرئاسة.

تضمنت تلك القمم والاتفاقيات تحويل قطر إلى محمية تركية بسلسلة من الاتفاقيات، ابتداء بقاعدة عسكرية ومن ثم قاعدة بحرية، بالإضافة إلى مرابطة الجنود الأتراك في الدوحة، مقابل “إتاوات” نقدية تمثلت بمشتريات قطرية للأسلحة التركية الفائضة عن الحاجة، واستثمارات قطرية في تركيا قدرتها صحيفة “صباح” التركية بمبلغ 20 مليار دولار.

قطر جزء من أدوات أردوغان

استذكر الصحفيون من شواهد التبعية القطرية الكاملة لتركيا، أن رئيس الأركان القطري كان جزءًا من مرافقي أردوغان في زيارته الأخيرة للسودان، عندما جرى بحث الترتيبات العسكرية السرية لقاعدة ” سواكن ” البحرية.

وفي 25 يناير 2018، انعقدت بين الرجلين أردوغان والشيخ تميم بن حمد آل ثاني قمة سبقت زيارة وفد قطري كبير إلى واشنطن، وقيل يومها إن أردوغان استطاع أن يحمّل تميم برنامج عمل يجعل فيه قطر جزءًا من أدواته وذخيرته في العلاقة التركية الأمريكية.

وفي تغطيتها لتلك القمة التي جرى فيها توثيق التبعية القطرية الكاملة للأجندة التركية، وغيرها من لقاءات تميم وأردوغان، تتوسع المنابر الإعلامية التركية والقطرية في استحضار “التاريخ العثماني”، تمامًا كما فعل أردوغان حين ربط دخول قواته لعفرين واستعادته للشريط الحدودي مع سوريا، بمعركة جناق قلعة، التي حصلت في نفس اليوم قبل مائة عام، وزعم أردوغان أن بعض العرب حاربوا فيها مع تركيا وتوفوا هناك على البسفور.

وكانت تقديرات الصحفيين الذين توقفوا عند” قوة التاريخ في الوهم الإمبراطوري لدى أردوغان”، ليس بأقل من وطأة التاريخ على ذاكرة حاكم قطر الذي تصرف في معركة عفرين بوحي أنه تابع وأداة من أدوات أردوغان.

 كان التلميح واضحًا لا بد يعرفه تميم وأردوغان، ويفسر كيف بات الرجلان، في عفرين وما قبلها، يتصرفان بوحي أن قطر مجرد “سنجق” أو ولاية تدفع جزية الحماية للإمبراطورية العثمانية التي يحلم أردوغان بإحيائها في المنطقة وعلى حساب السيادات الوطنية والقومية.