في غسق 28 آذار/مارس 1958.. والشمس تغرق في الخليج العربي، ينعكس الضوء البرتقالي على منصة التنقيب الخاصة بمشروع “أدما”، وهي منصة الاستكشاف البحرية الأولى من نوعها، والتي تستقر قواعدها الهيدروليكية على القاع المرجاني في الموقع نفسه الذي جمع منه عالم المحيطات الفرنسي “جاك كوستو” قبل 5 سنوات عينات من الصخور أظهرت أن هذا قد يكون المكان المنشود للعثور على النفط.

وتملك المنصة، التي بنيت في ألمانيا وتم نقلها عبر 4 بحار و12 ألف كيلومتر، هدفًا واحدًا: العثور على النفط، وعلى مدى 77 يومًا كان الروتين متماثلًا، حيث يتم الحفر ساعة تلو الأخرى باتجاه الطبقات الصخرية التي يعتقد كوستو بأنها تحتوي على نفط، بحسب صحيفة “ذا ناشونال” الإماراتية، التي سلطت الضوء على التغييرات التي أحدثها اكتشاف النفط في الإمارات.

وفي تلك الليلة، كما يحدث كل مساء منذ 10 كانون الثاني/يناير، يتم إغلاق الحفار حتى الفجر، ويتم استخدام مواد التشحيم المكونة من الطين والماء لتشحيم وتبريد المثقاب في نفقه الصخري الضيق، بالإضافة إلى أنه يطرد عينات من الصخور إلى السطح حتى يمكن فحصها بحثًا عن علامات على وجود النفط.

ومع استرداد العينات، يتدفق السائل عبر طوابق المنصة قبل صرفه في البحر، ليستقر في القاع، وهي مهمة مملة يخفف من صعوبتها الجمال الطبيعي المحيط، حيث تمتلئ مياه الخليج بملايين الكائنات الحية الدقيقة التي تتوهج في الليل.

وبينما كان الشاب الإنجليزي “مايك بينوك” يراقب المنظر الطبيعي الرائع هذا المساء، لاحظ شيئًا غريبًا، بقعة واحدة في البحر خالية من الأنوار، وهي المنطقة التي تم صرف مواد التشحيم فيها.

ومع تنامي الشكوك في ذهن “بينوك”، استخدم دلوًا وحبلًا لأخذ عينة من المياه المظلمة، وبالفعل اكتشف أن سطح الماء سميك ولزج بعض الشيء، قبل أن يدرك أنه ليس ماء بل نفط خام.. وفي تلك اللحظة، دخلت أبو ظبي عصر النفط، وتغير كل شيء للأبد.

وعد الذهب الأسود

دفع النفط طموحات القوى العظمى في فجر القرن العشرين، فهو غذاء آلات الصناعة، وأساطيل السيارات المتنامية والطائرات الأولى، فكان الطلب هائلًا ويبدو أنه لا ينتهي.

وفي عام 1911، اتخذ اللورد الأول الجديد من الأميرالية “وينستون تشرشل”، قرارًا مهمًا بشأن الأسطول البريطاني الإمبراطوري، ومنذ ذك الحين فصاعدًا، لن تعتمد أقوى السفن الحربية في العالم على الفحم بل النفط.

ولكن كانت هناك مشكلة واحدة فقط، وهي أن بريطانيا والقوى الأوروبية المنافسة الأخرى لا تملك نفطًا خاصًا بها، فكان لابد من العثور على الاحتياطيات بسرعة، وأن تتم حراستها عن كثب.

وكانت بريطانيا في وضع جيد أثناء هذا الاندفاع نحو الذهب الأسود، ففي العام 1908، أصبح رجل الأعمال البريطاني “وليام نوكس دارسي” أول من يكتشف النفط في الشرق الأوسط، فيما يعرف الآن بإيران.

وكتب تشرشل عام 1911 عن الاكتشاف الذي أتى في الوقت المناسب: “جلب لنا الحظ جائزة من أرض الخيال تفوق أكثر أحلامنا طموحًا”، وبعد عامين، تم تأميم شركة السيد نوكس “بورماه” للنفط من قِبل الحكومة البريطانية، مما وضع الأسس للشركة التي تعرف الآن باسم” بي بي”.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 1927 تم العثور على مزيد من النفط، فيما هو الآن العراق، والذي كان آنذاك منطقة تقع تحت نفوذ بريطانيا في الخليج العربي بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وعامًا بعد عام زحف المد الأسود إلى الجنوب، وفي عام 1932 تم اكتشاف المزيد من النفط في البحرين والكويت في عام 1938.

وتم العثور على أول احتياطي هائل في المملكة العربية السعودية في العام نفسه، وفي أيار/مايو 1940، عندما جلبت الحرب العالمية الثانية المزيد من الطلب على النفط، كان دور قطر قد حان.

وأينما وجد، غيّر النفط الحياة، وصنع ثروات هائلة للبعض، وجلب الوظائف والازدهار للكثيرين، فامتلأت المحلات بالسلع الغريبة المستوردة والشوارع بالسيارات، وأصبحت العواصم النفطية الجديدة في الشرق الأوسط نقاط جذب للمستثمرين وكل من يبحث عن عمل، فقد كانت تمثل المستقبل.

ماذا عن أبو ظبي؟

خلال الثلاثينيات، تم عقد سلسلة من صفقات الاستكشاف مع حكام الإمارات التي ستشكل لاحقًا دولة الإمارات العربية المتحدة، وصمد حاكم أبو ظبي، الشيخ “شخبوط بن سلطان آل نهيان”، أطول مدة، وفي نهاية المطاف توصل إلى اتفاق في كانون الثاني/يناير 1939 بعد 5 سنوات من المفاوضات الصعبة مع الشركات البريطانية.

وكانت المخاطر كبيرة، في جميع أنحاء المنطقة، فالاكتشاف الياباني للؤلؤ المزروع والمنتج بكميات كبيرة العام 1928 ضرب اقتصادات الخليج العربي، فانخفض صيد اللؤلؤ إلى تراجع كارثي، كما ساهمت الأزمة الاقتصادية العالمية في فترة الكساد الكبير، والتي أثرت على الطلب على السلع الفاخرة، في تفاقم المشكلة.

وفي مثل هذه الأوقات، كان احتمال وجود النفط كافيًا ليوفر الأمل في مستقبل أفضل، وكانت الصفقة التي وقعتها أبوظبي في كانون الثاني/يناير 1939 قد وعدت بتقديم مكافأة سنوية بالقطع النقدية الفضية بقيمة 100 ألف روبية هندية، والتي تبلغ قيمتها نحو 6.2 مليون درهم اليوم، كما تضمنت الصفقة شرطًا جزائيًا إضافيًا بنسبة 25٪ لكل سنة تأخر فيها الحفر.

وكان الأمل هناك في تحسين المعيشة وحتى بعض الفوائد المادية المباشرة، مثل تمويل التوسع الهائل لـ “قصر الحصن” للهيكل المألوف اليوم.

ولكن السنة التي وقعت فيها أبوظبي على امتيازها النفطي تُذكر الآن باعتبارها السنة التي بدأت فيها الحرب العالمية الثانية، ومع بدء القتال في أوروبا تم التخلي عن أي أفكار حول بدء الاستكشاف، ثم سرعان ما انتشر القتال إلى الشرق الأوسط وما وراءه.

نجا الخليج العربي من النزاع، لكنه لم يكن محصنًا من العواقب، فعلى مدى السنوات الـ 7 التالية، كان على أبوظبي أن تدافع عن نفسها.

أمل جديد

لم يعقب نهاية الحرب العالمية الثانية في العام 1945، استئناف التنقيب عن النفط في أبو ظبي على الفور، لكن التغييرات القانونية والتكنولوجية المهمة، غيرت نطاق ما يمكن تحقيقه.

كانت الدول تطالب على نحو متزايد بالحق في استكشاف واستغلال النفط والغاز في قيعان البحار قبالة سواحلها، وهو الأمر الذي أصبح تحقيقه ممكنًا من خلال تطوير منصات الحفر التي يمكن إنشاؤها بعيدًا عن الشاطئ.

انتهزت أبوظبي الفرصة وأعلنت أن امتياز النفط الحالي لا يغطي الاستكشاف البحري، وتمكنت من بيع هذه الحقوق.

وبحلول العام 1952، تحول الامتياز البحري إلى مشروع جديد، أنشأته شركة “بريتيش بتروليوم” مع شركة فرنسية، هي “Compagnie Francaise des Petroles” والتي أصبحت الآن شركة “توتال”، وسُميت الشراكة “مناطق أبوظبي البحرية”.

وبعائدات النفط، تغيرت الإمارات بأكملها، وفي العام 1967، حل الشيخ “زايد” محل الشيخ “شخبوط” حاكمًا لأبوظبي وبدأ خطة إعمار مدتها 5 سنوات وضعت أسس المدينة الحالية.

وجلبت الثروة الوظائف والرعاية الصحية المجانية والتعليم، ومزايا أخرى لمواطني البلاد، كما اجتذبت العمال المغتربين بالملايين من جميع أنحاء العالم، ليبلغ عدد سكان الإمارات اليوم أكثر من 9 ملايين نسمة.

لقد أدرك حكام البلاد أن ثروات النفط يجب أن تُستخدم لبناء مستقبل لا يعتمد عليها، فاستثمروا عائدات النفط في قطاعات تشمل السياحة والعقارات والتعليم العالي والتكنولوجيا الجديدة.

وربما بعد 60 سنة أخرى، ستكون الإمارات العربية المتحدة مختلفة تمامًا عما نعرفه اليوم، لكن كل ذلك يعود إلى ذلك اليوم في آذار/مارس 1958، وفجر عصر النفط.